من أرشيف إدوبا الأدبي

الخيوط غير المرئية

هل نحن منفصلون حقًا؟

تأمل في الحكايات التي تصلنا بما لا نراه

إدوبا، فبراير ٢٠٢٧THE INVISIBLE THREADS
AN EDUBA ESSAY
قراءة هادئة

لم نكن حاضرين حين بدأت حكاياتنا.

قبل أن نولد بسنواتٍ طويلة، كان هناك أشخاص لم نعرفهم، وأماكن لم نزرها، وقرارات صغيرة اتُّخذت في أيامٍ عادية، ثم مضت دون أن يدرك أصحابها أنها ستصل، بطريقةٍ ما، إلينا.

ربما بدأت الحكاية بلقاءٍ عابر، أو رحلةٍ غيّرت وجهتها في اللحظة الأخيرة، أو إنسانٍ اختار البقاء حين كان يستطيع الرحيل. لم يكن أحدٌ يفكر فينا آنذاك، ومع ذلك، ها نحن هنا، نحمل امتدادًا لحكايات لم نسمع معظمها.

ثمة غرابة في أن نتأمل وجودنا بهذه الطريقة، أن ندرك أن تفاصيل شديدة الصغر، حدثت في أزمنة لم نعشها، كانت كافية لأن يتخذ العالم شكلًا مختلفًا، وأن يصل بنا إلى هذه اللحظة بالذات.

لوحة فنية تصور يدين تقتربان من بعضهما دون أن تتلامسا

نحن نعرف أسماء بعض الذين سبقونا، ونحتفظ بملامح بعضهم في صور قديمة، لكن كم من أثرٍ بقي لنا من أشخاص لم نعرف أسماءهم قط؟ ربما ورثنا عن أحدهم عادةً، أو تعبيرًا، أو طريقةً في النظر إلى الأشياء. وربما لا نستطيع تعقّب الطريق الذي سلكه ذلك الأثر حتى وصل إلينا.

وليس الإنسان وحده من تمتدّ حكايته إلى ما وراء وجوده.

على قارعة الطريق، تقف شجرة وحيدة.

هكذا تبدو للناظر إليها، جذعٌ واحد، وأغصانٌ تمتد نحو السماء، وظلٌّ يتبدّل مع حركة الشمس. لكن وحدتها ليست إلا ما تسمح لنا أعيننا برؤيته.

فجذورها تمتد في تربةٍ تشاركها فيها كائنات لا تُحصى، وأوراقها تتبادل مع الهواء ما تحتاجه الحياة، وعلى أغصانها تستريح طيورٌ جاءت من أماكن بعيدة. وقد تحمل الريح إحدى بذورها إلى أرضٍ لن تعرفها الشجرة أبدًا.

ما يبدو كائنًا مستقلًا، هو في الحقيقة نقطة التقاء لعالم كامل.

وربما كانت الشجرة التي حسبناها وحيدة أقرب إلى ملتقى طرق، تصل إليه أشياء، وتغادره أخرى، وتستمر من خلاله حيوات لا نراها.

ثمّة خيوط أخرى لا تمتد في المكان وحده، بل تعبر الزمن أيضًا.

تأمّل الماء الذي ينساب بين يديك. لم تبدأ حكايته حين فتحت الصنبور، فقد يكون جزء منه قد عبر بحرًا، وصعد مع بخار الماء إلى الغيوم، وعاد مطرًا إلى الأرض، وواصل رحلته في أنهارٍ وتربةٍ وكائناتٍ حية.

الماء الذي يبدو لنا شيئًا مألوفًا يحمل تاريخًا من الحركة والتحوّل. لا يحتفظ بأسماء الأماكن التي مرّ بها، لكن وجوده في هذه اللحظة مرتبط برحلة أطول كثيرًا مما نتصوّر.

وإذا رفعنا أبصارنا أبعد قليلًا، اتسعت الحكاية أكثر.

فالحديد الذي يدخل في تكوين دمائنا، والذي نستخدمه في بناء منازلنا وصناعة أدواتنا، ينتمي إلى تاريخ كوني قديم، إذ تكوّنت العناصر الثقيلة عبر عمليات جرت في أجيال سابقة من النجوم وفي أحداث نجمية عنيفة.

ما أبعد النجوم عن تفاصيل أيامنا، وما أقرب أثرها إلينا.

كم يبدو العالم مختلفًا حين ندرك أن المسافات الهائلة لا تعني دائمًا الانفصال، وأن ما نراه بعيدًا قد يكون حاضرًا في أكثر الأشياء ألفةً لنا.

لكن الخيوط لا تصنعها الطبيعة وحدها.

فكرةٌ تولد في ذهن إنسان، ثم تخرج منه إلى العالم. يقرؤها شخص لم يلتقِ بصاحبها، فيضيف إليها شيئًا من معرفته، ثم يأتي ثالث ليحوّلها إلى تجربة، ورابع ليجعل منها اختراعًا يغيّر حياة أشخاص لن يعرفهم أيٌّ منهم.

وحكايةٌ يكتبها إنسان في مدينة بعيدة، تصل بعد سنوات إلى قارئٍ يجلس وحيدًا في غرفته. لا يعرف الكاتب قارئه، ولا يدري القارئ شيئًا عن اللحظة التي وُلدت فيها الكلمات، ومع ذلك قد يجد في تلك الصفحات وصفًا لشعورٍ عجز طويلًا عن تسميته.

أحيانًا، يكون أبعد الناس عنا أقدرهم على ملامسة شيءٍ عميق في داخلنا.

لوحة فنية لامرأة تتأمل الأفق قرب نافذة

وربما لهذا تبدو العلاقات الإنسانية أشدّ هذه الخيوط غموضًا.

نحن أيضًا نبدو أفرادًا منفصلين، نسير في طرقنا الخاصة، ونحمل أسماءنا وحكاياتنا. لكن في كل واحد منا أثرٌ لآخرين، شيءٌ ورثناه، وكلمةٌ غيّرتنا، وذكرى بقيت معنا، ولقاءٌ لم نعرف يومها أنه سيعيد تشكيل حياتنا.

كم من كلمةٍ قيلت بعفوية، ثم أصبحت بعد سنوات جزءًا من شجاعة أحدهم؟ وكم من لفتةٍ نسيها صاحبها، بينما بقيت في ذاكرة من تلقّاها؟

لسنا قادرين دائمًا على معرفة ما نتركه في الآخرين. قد نظن أن وجودنا في حياة أحدهم كان عابرًا، بينما كان له معنى لم نتخيله. وقد يحمل إنسانٌ شيئًا من أثرنا إلى مكان لن نبلغه، وإلى حياة لن نكون جزءًا منها.

بعض هذه الصلات نختارها، وبعضها تسبق اختيارنا، وبعضها لا ننتبه إليها إلا حين يتغير شيءٌ فينا.

ولعلّ أغرب ما في هذه الروابط أنها لا تحتاج إلى أن نراها حتى تكون حقيقية.

ولعلّ ما نسمّيه مصادفةً ليس إلا اسمًا نمنحه لما نجهل من أقدار، فكم من لقاءٍ بدا عابرًا، ثم اكتشفنا بعد سنوات أنه غيّر اتجاه حياتنا؟ وكم من طريقٍ أُغلق أمامنا، لنجد أنفسنا نسير نحو حكايةٍ لم نكن لنتخيّلها؟

ثمة في هذا الكون من الدقة والاتساع ما يتجاوز قدرتنا على الإحاطة به. وربما لا تكمن الدهشة في أن نفهم كيف تتصل جميع الخيوط، بل في أن ندرك أن جهلنا بمساراتها لا يعني أنها تمتد بلا معنى.

ربما يكفي أن ندرك أن الاستقلال الذي نراه ليس دائمًا الصورة الكاملة، أن لكل وجودٍ سياقًا، ولكل حكايةٍ امتداداتٍ لا نحيط بها.

ولعلّنا، مثل تلك الشجرة، لم نكن وحدنا كما ظننا.

نحمل شيئًا ممن سبقونا، ونترك شيئًا لمن سيأتون بعدنا. نعبر الحياة متأثرين بعالمنا ومؤثرين فيه، حتى حين لا نرى الطريق الذي تسلكه آثارنا.

وفي مكانٍ ما، قد تبدأ حكايةٌ لم نسمع بها بعد، من فكرةٍ حملناها، أو كلمةٍ قلناها، أو قرارٍ صغير اتخذناه في يومٍ عادي.

تمامًا كما بدأت حكاياتنا.

THE INVISIBLE THREADS

فإذا كان لكل شجرة عالم يمتد خارج حدود أغصانها، فإلى أين يمتد العالم الذي نحمله نحن؟

إدوبا